محمد بن أحمد الفرغاني
47
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
الكمال ومنبعه والشاعر بكلّيته وجملته والمتفرّع من هذه الأصول الأئمّة أو لإتمام عدد الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها تعلّقا أو تخلّقا أو تحقّقا دخل الجنّة . أمّا إحصاؤها تعلّقا ، فبأن يتطلّب آثار كل واحد منها في نفسه وبدنه وجميع قواه وأعضائه وأجزائه في مجامع حالاته وهيئاته النفسانية والجسمانية ، وفي جملة تطوّراته وتنوّعات ظهوراته نوما ويقظة ، وقياما وقعودا ، وطاعة ومعصية ، وقبضا وبسطا ، وصحة وسقما ، ورضا وغضبا ، ولذّة وألما ، وراحة وشدّة ، وسعة وضيقا ، وغنى وفقرا ونحو ذلك ، فيرى جميع ذلك من أحكام هذه الأسماء ويضيف كل ما يظهر فيه إليها وإلى آثارها ، فيقابل كل واحد بما يليق من شكر أو صبر أو ملق أو عذر أو استكانة أو خضوع أو استحياء أو تذلّل أو التجاء أو استعاذة أو انكسار أو ندامة أو استغفار أو استعانة أو استهداء ونحو ذلك من أوصاف العبودية وأداء واجب حقوق الربوبية . فبمثل هذا الإحصاء والعد وأداء الحقّ الواجب بقدر الوسع والجهد يدخل جنّة الأعمال التي هي محل ستر الأعراض الزائلة الفانية قولا وفعلا ونيّة واعتقادا بصور الأعيان الثابتة الباقية حورا وقصورا وغلمانا وجنانا . وأمّا إحصاؤها تخلّقا ، فبتطلّع الروح الروحانية إلى حقائق هذه الأسماء ومعانيها وصفاتها والتخلّق والاتّصاف بحقيقة كل واحد منها على وفق ما أمر به في قوله : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » « 1 » ، فيدخل بهذا العدّ والإحصاء المترتّب عليه هذا التخلّق ، والاتّصاف جنة الميراث التي هي أعلى من الجنّة الأولى ، بل هي باطنها المائل إلى طرف الملكوت المستور بملكوت كل شيء في تنزّله بصورة الطبيعة فيها ، ولكن من حيث وجهها الذي يلي عالم الأرواح لا الذي يلي عالم الحسّ الذي فيه جنّة الأعمال المذكورة عن قريب شأنها ، وهي المشار إليها بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما منكم من أحد إلّا وله منزل في الجنّة ومنزل في النار ، فإذا مات كافر ودخل النار ورث منزله أهل الجنّة ، وإن شئتم فاقرؤوا : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ
--> ( 1 ) أورده المناوي في التعاريف ، فصل اللام ، [ 1 / 564 ] ؛ والجرجاني في التعريفات ، باب الفاء ، مصطلح رقم ( 1099 ) [ 1 / 216 ] .